الشنقيطي
360
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول : لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء : هذا حلال وهذا حرام . ما كانوا يجترئون على ذلك . وإنما كانوا يقولون : نكره هذا . ونرى هذا حسنا . ونتقي هذا ، ولا نرى هذا . وزاد عتيق بن يعقوب ، ولا يقولون حلال وحرام . أما سمعت قول اللّه عز وجل : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] . الحلال ما أحله اللّه ورسوله ، والحرام ما حرمه اللّه ورسوله : قال أبو عمر : معنى قول مالك هذا إن ما أخذ من العلم رأيا واستحسانا لم نقل فيه حلال ولا حرام واللّه أعلم . ا ه . محل الغرض منه . وقال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسيره ، في الكلام على قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ [ النحل : 116 ] الآية ، ما نصه : أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال : ما سمعت إبراهيم قط يقول : حلال ولا حرام ولكن كان يقول : كانوا يكرهون وكانوا يستحبون . وقال ابن وهب : قال مالك : لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام . ولكن يقولون : إياكم وكذا وكذا . ولم أكن لأصنع هذا . ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو للّه عز وجل وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان ، إلا أن يكون البارىء تعالى بذلك عنه . وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول : إني أكره كذا . وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى . ا ه . محل الغرض منه . وإذا كان مالك وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر أهل العلم لا يتجرؤون أن يقولوا